أخبار فنيةفنانينمقالاتمميزويكبيديا فن

وديع الصافي … قديس الطرب عاشق سوريا

عامر فؤاد عامر _ أورنينا

حنجرته من عبق أرز لبنان، ويعدّ من أكبر عمالقة الطرب في الوطن العربي، ورمزٌ من رموز غناء الفلكلور والتراث الغنائي اللبناني، لم يبقَ مسرح أصيل إلا وشدى بصوته على خشبته، تجربته كبيرة وواسعة، حتى استقلّ بمدرسة “الصّافيّة” نسبةً لاسمه، وهو العلامة الفارقة في الغناء من خلال أرشيفه الضخم في غناء المواويل، وتقديم الاسكتشات المميزة، وأغاني الفلكلور، والمسرحيّات التي عشقها الجمهور، والقصائد باللغة العربيّة الفصحى، والعتابا، فلحن له كبار ملحني الأغنية في الوطن العربي، وتبادل معهم خبرته في التلحين أيضاً، وغنى الأغنية العاطفيّة باللهجتين اللبنانيّة وبالمصريّة فأبدع، كما غنى باللغات السوريّة القديمة في بداياته.

ارتبطت انطلاقته بفوزه بالمسابقة الغنائيّة عام 1938 التي أجرتها الإذاعة اللبنانيّة للمتقدّمين، فحاز المرتبة الأولى، كما كان له محطاتٍ مهمّة مع كبار الملحنين في مصر، وأطلقوا عليه هناك لقب “صاحب الحنجرة الصافية”، تكريماً لفرادة صوته، فلديه في هذا الصوت الفريد مساحاتٍ عظيمةٍ، ويتمكن خلالها من إتقان الغناء بكلّ راحةٍ، وما يميّز خطّه أيضاً أنه يُدخل الموال على الأغنية، وهو من منح هذا الشكل وزنه وأهميّته، وتعدّ التجربة مع الرحابنة مهمة جداً في مسيرته الفنيّة، على الرغم من أنها لم تكن طويلة، وكان أشهرها مسرحيّة “سهرة قصيدة حبّ” التي اشترك فيها معه كلّ من السيدة فيروز، ونصري شمس الدين.

يقول عنه الياس رحباني: “إن ميّزة صوت وديع الصافي تتضح بأنه بقي محافظاً على مقدرته على الرغم من تقدّمه بالعمر، فمرحلة النضوج لديه كما مرحلة التقدم في العمر، فلم يتغير شيء على صوته“ ومن الألقاب التي ارتبطت باسمه: “صوت الجبل”، و”قديس الطرب”، و”عملاق لبنان”، وغيرها

تذكر المراجع بأن منافسة وقعت بينه وبين الشحرورة صباح التي اشتهرت بالأوف كثيراً، وقد صعدت في إحدى الحفلات التي اشتركا فيها بالجواب عالياً، لكن الصافي صعد بجوابه ولحق بها وبكل راحة وسهولة، فأحسّت بالإجهاد معه، وبعد نهاية الحفلة قال لها: “لا تتحدّي وديع الصافي يا صباح”. أيضاً كان هناك عدّة أعمال اشترك فيها الصافي والشحرورة معاً، كمسرحيّة “موسم العز”، واسكتش “الضيعة والمدينة”، وأوبريت “وتضلوا بخير”، وغيرها.

غنى “فارس الأرز” وديع الصافي للكثير من البلدان ووقف على أشهر مسارح العالم، لكن لسوريا مكانة خاصّة في قلبه، وعبّر عن ذلك في مناسباتٍ عدّة، وبقي على العهد بأن سوريا ولبنان أرض ٌواحدة، ودائماً كان يؤكد: عندما أغني في دمشق كأنني أغني في بيروت والعكس صحيح.

كانت سوريا المنصّة الأولى التي انطلق منها الصافي وبقي على عهد المحبّة معها حتى نهاية العمر، وهذا ما يدل على طبيعة الفنان الحقيقي والأصيل، وهي ميّزة لا يمكن إهمالها في مسيرته، فلا ننسى أنه كان يزورها في أوقات الفرح والحزن، كما أنه كان قبل وفاته بمدّة بسيطة في أحضان الشام، ولن ننسى ما شداه لها كما أغنيات: “بلدي الشام وأهلي الشام” مع الفنانة فاتن حناوي، و”حبيبتي سوريا”، “يا توت الشام”، “وطن السلام“، وغيرها.

يقول الباحث الموسيقي عثمان حناوي في صوت الكبير وديع الصافي: كان الوحيد الذي غنى بثقة لا تنافس، وبطبقاتٍ عليا، وهو صاحب قرار جميل في المغنى، وأنا شخصيّاً أعدّه أسطورة، وما زلت أذكره وهو في سبعينيات عمره يغني بل بقي لآخر أيّامه وهو يشدو الأجمل، ومواقفه يُحتذى بها ، كما بقي وفيّاً ومخلصاً وبادل الوفاء بالوفاء.

 

لا يمكننا العبور سريعاً على مراحل حياة هذا الفنان العظيم، لكن يمكننا استذكار بعض من المعلومات الخاصّة والوقوف عندها: هو من مواليد الأوّل من تشرين الثاني 1921 وتوفي عن عمر يناهز الثانية والتسعين في الحادي عشر من تشرين الأوّل 2013
تخطّى مجموع ما غنى الـ 1500 أغنية، وحفلاته منتشرة في شتى أنحاء العالم، لعب في السينما عدّة أدوار تمحورت في دور المطرب مع بعض المشاهد التمثيليّة البسيطة، ولم تستهوه السينما، بل بقي على انشدادٍ للمسرح والغناء، ومن هذه الأفلام نذكر: الخمسة جنيه، غزل البنات، نار الشوق، و فيلم ليالي الشرق
له شقيقة واحدة تدعى “هناء الصافي” شجّعها على الغناء، ودخلت الساحة الفنيّة لفترة قصيرة ثم تركتها على الرغم من صوتها الجميل، ومن أبنائه اللذين رافقوه في مسيرته الفنيّة: جورج، وانطوان، وعنه يقول انطوان وعن العلاقة مع سوريا: سوريا صاحبة فضل على كلّ العرب وعلى فنانيهم دائماً، ولم نقابل فيها إلا كلّ المحبّة والتقدير لوالدي، وأنا معني مباشرة بهذا الموضوع، وأحاول أن أتابع على نفس الخط الذي رسمه والدي، وما زلت أقابَل بنفس المحبّة والوفاء فيها، وفي فترة الحرب قدّمت أغنية لسوريا بعنوان “سوريا الله حاميها” من كلمات الشاعر اللبناني ابراهيم مجذوب الصافي وكان من المقرر أن يغنيها والدي، إلا أن المنيّة وافته قبل أن يقوم بذلك، فغنيتها إحياءً لرغبته بمشاركة زملاءٍ لي من سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق