أخبار فنيةمقالاتمميز

#عندما_تشيخ_الذئاب … النص الحاضن لأحداث دراما بمُجهر دقيق لأحداث تسعينات القرن الماضي

#عامر_فؤاد_عامر #أضواء_المدينة

“في مقاييس الزمن، فإن عدم التّقدّم يُعدُّ تراجعاً، لأن الزّمن ليس ساكناً إنما يسيرُ إلى الأمام، فكيف يكون الأمرُ حين لا يكتفي النّاس بعدم التقدّم ويبدؤون بالتراجع؟”، جملة على لسان “جبران” في رواية “عندما تشيخ الذئاب” ربما تلخص مقولة المسلسل القائم على أحداثها، من خلال البعد الشاقولي لما يريده الكاتب جمال ناجي في تدوينه لأحداث تسعينات القرن الماضي فيما يتعلق بمدينة عمان الأردنيّة وما حولها، والتي ألمّ بها المسلسل لتكون اللاذقيّة السوريّة هي مسقط الأحداث التي ركّز عليها.

استطاع مسلسل “عندما تشيخ الذئاب” أن يسرد أحداث الرواية بمنطقٍ قريبٍ من الناس وإيقاع الحياة، فكان يُفصّل في أحداث عاشها الناس مستنداً أنها أحداث روائيّة وكفى، لكن من يراقب العمل جيداً سيعلم بأنه خطوة مهمّة تُحسب لطاقم العمل كاملاً، من حيث الجرأة في الانتقاء، وطريقة الطرح، وأسلوب العرض، والعمل من إخراج عامر فهد، ومن إعداد وسيناريو حازم سليمان، عن رواية للأديب الفلسطيني جمال ناجي.

غلب جانب التقصّي في أحداث التسعينات أكثر على جانب المتعة، لكنهما كعنصرين بقيا حاضران في معظم حلقات العمل، لذلك يمكن أن نذهب في بعدٍ آخر خفيّ في هذا العمل، يحمل إلى حدٍّ ما توثيقاً لما جرى في أيّام تلك المرحلة الباردة.

تفوّقت الشخصيّات الرئيسة في حالة المنافسة بين بعضها، فلكلٍّ منها عناصر جذبها، فكان الشيخ عبد الجليل التي أدّاها الفنان سلوم حدّاد قويّة الحضور مُقنعة ومُتقنة، فهي موصّفة جيداً في الرواية ولها تطوّر مألوف، منحها الممثل إشراق وتميّز من خلال أدواته المعروفة، وفي نفس السياق كانت شخصيّة جبران” التي جسّدها الفنان عابد فهد، ومنحها الثقة أكثر، وألبسها ثوبها الحقيقي، ربما أكثر مما وصّفته شخصيّة جبران بين أوراق الرواية نفسها، ولا يمكن إغفال دور الجليلة والفنانة سمر سامي، حيث قدّمتها بنكهة خاصّة على الرغم من أن الجليلة شخصيّة ذات وقع مزعج لنفسها وللآخرين معاً، إلا أن إتقان التجسيد جعل المتلقي يتعاطف معها، ولن أغفل حضور الممثلين أيمن رضا، وعلي كريّم، وبشار اسماعيل، ومرح جبر، وميسون أبو أسعد، ومحمد حداقي، وسوسن أبو عفار، والعديد ممن منحوا شخصيّاتهم صورة واعية، حسيّة، قريبة من ماضٍ واقعي، فكانت شخصيّات بطلة، ساندت الرئيسة، ونافست بحضورها في نفس الوقت.

ولا بدّ من الإشارة للعنصر الشاب من الممثلين في هذا العمل، فالفنان أنس طيارة حمل شخصيّة “عزمي” لمكانٍ سليم لا يحمل لبساً، فجمالها الأدبي كان ملازماً لجمالها الدّرامي أمام الكاميرا، ولربما الاستقرار الدّاخلي لأنس كممثل منحها هذا الامتياز، وأيضاً الفنانة هيا مرعشلي وشخصيّة سندس، الطافحة بالمشاعر، وبغريزة الأنثى، وقد تفوّقت هيا في إغراقها بهذا الحسّ، وشخصيّة صبحي، والفنان مهران نعمو المُجتهد في تقديمها، وفهمها السليم، من حيث بعدها النفسي، وأهميّة حضورها أمام الشخصيّات التي احتكت معها، أيضاً حضور الفنانة سارة فرح في شخصيّة الفتاة المناضلة في الحزب، والعاشقة لجبران، إذّ لم تكن وعلى قلّة مشاهدها أقل حضوراً من شخصيّات ذات مشاهد طويلة.

تمّ اختيار لغة إخراجيّة اعتمدت على الإيقاع البطيء يشبه تطوّر أحداث تلك المرحلة الزمانيّة، كما أن الرواية توحي بأن البيئة شاحبة اللون وقاسية على أبنائها، وهذا ما ابتعدت عنه لغة الإخراج نوعاً ما كي تشبه واقع البيئة الجغرافيّة الجديدة التي تمّ التصوير فيها، لكن هذه اللغة وعلى الرغم من صحة اختيارها حملت وقعاً مملاً في معظم حلقات المسلسل إلى الحلقة الثامنة والعشرين، فهذه الحلقة وما بعدها صُبغت بوقعٍ حماسيّ بسبب تسارع الأحداث ونموّها المٌشوّق، ولو أن باقي حلقات المسلسل كانت بهذا النمو والتطوّر الدرامي لكان للعمل نقطة نجاح إضافيّة، لذلك يمكن القول بأن سرعة تدفق الأحداث في المسلسل لم تكن متوازنة، فهي ذات مسار بطيء في معظم الحلقات، ومسار متسارع في الحلقات الثلاثة الأخيرة.

لم تكن الإثارة المرجوّة من أحداث العمل على قدرٍ كافٍ من الاهتمام، فهناك مشاهد ملفتة في الوصف الأدبي الروائي، كمشهد العرس أمام بيت أبو فاروق، ومشاهد اللقاء بين الجنزير وضابط الأمن، ومشهد رفض سندس الزواج من الشيخ عبد الجليل، وغيرها، وقد عبرت هذه المشاهد بصورة متساوية أمام الكاميرا مع المشاهد الأخرى، ولم تحمل حالة التشويق التي كان من الممكن اعتمادها، بالإضافة إلى فكرة التمهيد للحدث والذي يمنح للحدث في هكذا لغة إخراجيّة مللاً متوقعاً، وكان الأجدر أن يذهب المخرج إلى الحلّ من خلال التسريع بدلاً من التمهيد.

كانت الموسيقى مناسبة للغة الإخراجيّة المعتمدة، فصنعت لنفسها المكانة المطلوبة والمزاج المتوافق، وهي من تأليف الفنان طاهر مامللي، على الرغم من استبعادها في مشاهد كان لا بدّ لها من حضورها المؤثر والمتفوّق أكثر، أيضاً في الانتقالات بين المشاهد، ففي حالة القطع والوصل المفاجئ كان يمكن للموسيقى لَعِبَ دورها في إلغاء الإيقاع الحادّ بين الانتقالات، وهذه وظيفة المُعدّ الموسيقي، إذّ تقع على عاتقه هذه المهمّة.
اعتُمدت لونيّة خاصّة بالعمل، مستمدّة من البيئة الجافة لتلك المرحلة الزمنيّة، كما أشرنا سابقاً، وبشكلٍ أو بآخر هي من الماضي لكنه ماضٍ قريب، ولهذه اللونيّة دلالتها القويّة انتقائاً، فخدمت القصّة، وكانت في مكانٍ مناسب، وُفق فيها كلّ من مدير الإضاءة والتصوير يزن شربتجي وفي التلوين نبراس الحمد.

أمّا عنصر الملابس، للمصمم أمين السيد، فكان بأزياء تشبه تلك المرحلة الزمنيّة، مما أعطى الأجواء العامّة للعمل تناسباً لعوالم الشخصيّات جميعها، إلا البدلات التي ارتداها جبران في مرحلة استلامه مهام الوِزارة، فكانت إلى حدٍّ ما تشبه ملابس المرحلة الحاليّة، ولا ندري إن كان الأمر يذهب في دلالةٍ مقصودةٍ!؟
يمكن الالتفات أيضاً لمجموعة من الملاحظات منها الحضور المؤثر لشخصيّات توفيت في مرحلة مُبكرة من العمل، وللشارة الغنائيّة التي قدّمتها سارة فرح، من كلمات موريس منصور، وموسيقى طاهر مامللي، وأيضاً تصميم وتنفيذ الشارة التي اجتهد عليها بانتقائيّة خاصّة حسام الحمد، وما يمكن الإشارة إليه هو احتضان الرواية للعمل، فكانت قالباً متسعاً لكلّ ما حصده العمل من إنجاز، وهذه هي ميّزة العمل الدّرامي المُعتمد على نصّ روائيّ من العيار الثقيل، والذي افتقدناه في السنوات الأخيرة من الدّراما العربيّة بوجهٍ عام، ولا بد من التنويه إلى هذه الملاحظة، فأهمّ الأعمال عالمياً سواء في السينما أو دراما المسلسلات هي التي تُشتق وتُعتَمَد من نص روائي، وحبذا لو نعود في درامانا السوريّة والعربيّة لهذه الميّزة التي لا يمكن إغفالها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق